بن عيسى باطاهر
227
المقابلة في القرآن الكريم
فالمقابلة في هذه الآيات أتت في سياق الجدل القرآني حول مصدرية القرآن ، وقد ساهمت في علمية الإقناع التي يسعى إليها القرآن بالرد على المنكرين ، وبسط الأدلة المناسبة أمامهم فقوله تعالى : فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [ الفرقان : 4 ] ، وقوله : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) [ الفرقان : 6 ] ، دليلان واضحان من غير تعقيد كلامي أو جدل عقلي ، وهما أقرب إلى البداهة منها إلى العقل ، لأن الخطاب موجه إلى كل منافذ النفس كي تأخذ نصيبها من الإقناع والتأثير ، فللعقل نصيبه ما دام أن الكفار أنفسهم يعرفون اللّه بصفاته ، ويعرفون محمدا صلى اللّه عليه وسلم بخصاله ، ويعرفون القرآن بسحره وإعجازه ، ومن هنا ناسب خطاب العقل بأن يرد الظلم العقائدي على أهله ، وأن يقرر تنزيل القرآن الكريم من اللّه العليم ، أما جانب خطاب الوجدان فيتجلى في جمال التعبير الذي يحرك العواطف ويستميل القلوب « 1 » . وتأتي المقابلة أيضا في سياق البرهنة على اليوم الآخر ، رغبة من القرآن في إقناع المنكرين ، وإفحام الجاحدين بفكرة البعث والجزاء ، فمن ذلك قوله تعالى : أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ فصلت : 40 ] . يلاحظ في هذه الآية أنها تعتمد على أسلوبين واضحين في الإقناع بحتمية اليوم الآخر ، فأول الأسلوبين الاستفهام التقريري الذي يعد من أقوى الأساليب في الإقناع بما له من قدرة على تحريك قوى النفس وإلزامها بالحجّة ، والأسلوب الثاني هو أسلوب المقابلة بين الجنّة وأهلها ، والنار وأهلها ، ومصير كل فريق يوم القيامة . فقوله : أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ فصلت : 40 ] ، « هو تعريض بهم ، وبما ينتظرهم من الإلقاء في النار والخوف والفزع ، بالمقابلة إلى مجيء المؤمنين آمنين » « 2 » .
--> ( 1 ) بن عيسى عبد القادر با طاهر - أساليب الإقناع في القرآن الكريم - ص 107 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 5 - ص 3126 .